الفيض الكاشاني

79

المحجة البيضاء في تهذيب الإحياء

بعضها وقال : هذا القوام » . قال أبو حامد : « القسم الثاني درجتهم دون هذا وهم الممسكون أموالهم المراقبون لمواقيت الحاجات ومواسم الخيرات فيكون قصدهم في الادّخار الإنفاق على قدر الحاجة دون التنعّم وصرف الفاضل عن الحاجة إلى وجوه البرّ مهما ظهر وجوهه وهؤلاء لا يقتصرون على مقدار الزكاة ، وقد ذهب جماعة من التابعين إلى أنّ في المال حقوقا سوى الزكاة كالنخعي والشعبي وعطاء ومجاهد قال الشعبي بعد أن قيل له : هل في المال حقّ سوى الزكاة ؟ قال : نعم أما سمعت قوله تعالى : « وآتى المال على حبّه ذوي القربى - الآية - ( 1 ) » - واستدلَّوا بقوله تعالى : « أنفقوا ممّا رزقناكم » ( 2 ) وزعموا أنّ ذلك غير منسوخ بآية الزكاة بل هو داخل في حقّ المسلم على المسلم ، ومعناه أنّه يجب على الموسر مهما وجد محتاجا أن يزيل حاجته فضلا عن مال الزكاة والَّذي يصحّ في الفقه من هذا أنّه مهما أرهقت حاجة كان إزالتها فرض كفاية إذ لا يجوز تضييع مسلم ولكن يحتمل أن يقال : ليس على الموسر إلا تسليم ما يزيل الحاجة قرضا فلا يلزمه بذله بعد أن أسقط الزكاة عن نفسه ، ويحتمل أن يقال : يلزمه بذله في الحال ولا يجوز له الإقراض أي لا يجوز تكليف الفقير قبول القرض وهذا مختلف فيه والإقراض نزول إلى الدّرجة الأخيرة من درجات العوام ، وهي درجة . القسم الثالث الَّذين يقتصرون على أداء الواجب فلا يزيدون عليه ولا ينقصون منه وهو أقلّ المراتب وقد اقتصر جميع العوام على ذلك لجهلهم وبخلهم بالمال وميلهم إليه وضعف حبّهم للآخرة قال اللَّه تعالى : « إن يسألكموها فيحفكم تبخلوا » [ 1 ] يحفكم أي يستقص عليكم فكم بين عبد اشتري منه ماله ونفسه بأنّ له الجنّة وبين عبد لا يستقصى عليه لبخله فهذا أحد معاني أمر اللَّه تعالى عباده ببذل الأموال » .

--> ( 1 ) البقرة : 177 . ( 2 ) البقرة : 254 . [ 1 ] سورة محمد : 37 « فيحفكم » أي يجهدكم ويطلب منكم جميع أموالكم أو يستقص كما في المتن .